“شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ”
حديثنا في هذه الحلقة عن الاستفادة من شهر رمضان لتعزيز العلاقة بالفرآن الكريم والابتعاد عن هجره والعياذ بالله، ونبدأ بالتعريفات:
أولًا: الهجر وأنواعه
الهجر ضد الوصل وبمعنى القطع والبعد
حين تحدّث القرآن عن الهجر في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾، لم يكن الهجر نوعًا واحدًا، بل مسارات متعددة تختلف آثارها.
فالإنسان قد يهجر القرآن:
1. هجر السماع: فلا يفتح له أذنًا ولا قلبًا.
2. هجر التلاوة: وهجر المصحف بين يديه أيامًا وشهورًا.
3. هجر التدبّر: يقرأ ولا ينفذ شيء إلى الفهم.
4. هجر العمل: يفهم ولا يعمل بما يقرأ.
5. هجر التحاكم: إذا عرضت مسألة لم يجعل القرآن مرجعًا.
وفي رمضان، يعود القلب ليختبر نفسه: أيّ هذه الأنواع مسّني؟ وأيّها يجب أن أعود عنه الى ما يقابله؟
***
ثانيًا: فضائل الختم من القرآن والحديث
الختم ليس عادة موسمية، بل سُنّة تعبّدية قديمة حثّ عليها القرآن والسنة.
فالآيات نفسها تتحدّث عن التلاوة جزءًا من الهداية:
﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾.
وجاء في الحديث أن البيت الذي يُتلى فيه القرآن تتسع بركته وتنفرّ الشياطين، وأن قارئ القرآن يُرفع مع كل آية درجة. وكان جبريل يدارس النبي ﷺ القرآن كاملًا في رمضان، وهذه المدارسة أصل الختم الرمضاني.
وأجمع أهل العلم على أن ختم القرآن مشروع ومرغّب فيه، وأن الختم في رمضان له نور خاص، لأن شهر الصوم هو شهر القرآن.
***
ثالثًا: أنواع الختم: الورد اليومي والختم في الصلاة
منذ عهد النبي ﷺ والصحابة ظهرت أنماط متنوعة للختم:
1. الختم كورد يومي
جعل الصحابة لهم أورادًا ثابتة: منهم من يختم في سبع، ومنهم في ثلاث، ومنهم في شهر.
والقياس كان دوماً: ما يقوّي القلب ولا يورث مللًا ولا تكلّفًا.
2. الختم في الصلوات المفروضة
كان بعضهم يوزّع الورد على الصلوات، فيجعل لكل صلاة مقدارًا ثابتًا، وهذا ظاهر في روايات بعض القرّاء الأوائل.
3. الختم في صلاة التراويح
وهو أشهر صور الختم الجماعي عبر التاريخ.
منذ أن أكمل عمر بن الخطاب جمع الناس على قارئ واحد، ظلّت ختمة التراويح تقليدًا مستقرًّا في الأمصار، يختلف مقدارها بين ½ ختمة إلى ختمة كاملة وربما ختمتين، بحسب الطاقة والزمان والمكان.
وبقيت الختمة في رمضان علامة على حياة القلب، وأن الأمة ما تزال تشعر أن القرآن مركز حركتها الروحية.
***
رابعًا: تطوير صناعة المصحف بالتجزئة والتحزيب لخدمة الختم
مع اتساع العالم الإسلامي وكثرة القرّاء، ظهرت الحاجة إلى تقسيم يساعد على الختم المنتظم.
وهنا بدأ تاريخ طويل من التطوير:
1. البدايات مع الصحابة
– التقسيم السباعي المعروف بـ التسبيع:
(ثلاث – خمس – سبع – تسع – إحدى عشرة – ثلاث عشرة – المفصل).
– وهو أقدم تقسيم ثابت لختم القرآن في أسبوع.
2. عصر الحجّاج
ظهر أول تقسيم شكلي مضبوط للآيات والنقاط والفواصل، وكانت خطوة نحو تنظيم التلاوة.
3. التقسيم الثلاثيني
ظهر ليجعل الختم الشهري ممكنًا، وصار هو الأشهر اليوم.
4. المنازل
تقسيمات هندية ومغربية ظهرت لاحقًا، تعتمد تجزئة دقيقة لخدمة التحفيظ والختم والتعليم.
5. التسبيع المغربي الحديث
وهو امتداد للتسبيع القديم، لكنه أعيد ترتيب أجزائه بما يناسب المصاحف المعاصرة.
6. صناعة المصحف المعاصر
ظهرت اليوم طبعات متخصصة:
– مصحف الورد اليومي
– مصحف الختمة الأسبوعية
– مصحف الختمة الشهرية
– مصحف التجويد
– مصحف التحزيب
– مصحف المعلّم
– المصاحف الهندية الممنهجة على 15 سطرًا لكل صفحة
وأخرى كثيرة، كلها تهدف إلى شيء واحد:
أن يعيش القارئ علاقة منظمة ومستقرة مع الختم.
***
خامسًا: أفكار معاصرة لتنظيم الختم منشورة على الإنترنت
انتشرت اليوم نماذج جاهزة تساعد على الختم بسهولة أكبر، منها:
1. ختمة كل 30 يومًا
صفحة ونصف يوميًا في المصاحف الشائعة.
2. ختمة كل 15 يومًا
ثلاثة أجزاء يوميًا، مناسبة لمن اعتاد القراءة.
3. ختمة كل أسبوع
وفق التسبيع النبوي القديم:
3 – 5 – 7 – 9 – 11 – 13 – المفصل.
4. ختمة كل 3 أيام
وهي ممارسة بعض السلف لمن رسخ في القراءة.
5. ختمة متنوّعة
تجمع بين:
– ختمة في الصلاة
– ختمة للتدبر
– ختمة سريعة للبركة
6. ختمات جماعية عبر الإنترنت
مجموعات شهرية أو أسبوعية تضبط الورد، وتتابع الأعضاء، وتشجّع على الاستمرار.
والغاية من كل هذه الأفكار واحدة:
أن لا يُهجر القرآن، وأن تبقى علاقته بالقلب مستمرة ومنتظمة، لا موسمية ولا منقطعة.
***
خاتمة
الختمة ليست رقمًا ولا إنجازًا خارجيًا، بل انتقالٌ من الهجر إلى الوصل.
هي قرارٌ بأن يعود القلب إلى كلام الله، وأن يُعطي شهر رمضان مكانه الذي أراده الله له: شهر القرآن.
وحين يقرأ العبد ورده بانتظام، يصبح القرآن رفيقًا لا يُفارق، وبركةً تسري في اليوم كلّه، وميزانًا يعيد ترتيب الحياة من جديد.

