بدعوة من مركز صحف لحفظ التراث القرأني والكتابي وتجمع العلماء المسلمين في لبنان عقدت ندوة لقراءة ومناقشة كتاب "المكتبة القرأنية: المفهوم، البنية والتصنيف" لمؤلفه سماحة الشيخ علي حسن خازم، وذلك في قاعة الجنان - بيروت.
شارك في الندوة عميد كلية الأديان في جامعة المعارف الشيخ الدكتور فادي ناصر، عضو المجلس المركز في تجمع العلماء المسلمين في لبنان الشيخ الدكتور عبد الله الجبري، ومن مصر الأستاذ محمد مجدي الديب وتخللها كلمة لمؤلف الكتاب ومداخلات.
حضر الندوة عدد من المختصين بالإضافة إلى علماء وفعاليات إجتماعية وتربوية ومهتمون بالشأن القرأني والأرشفة والتوثيق.

الكلمة الأولى كانت لعميد كلية الأديان في جامعة المعارف الدكتور الشيخ فادي ناصر، وجاء فيها:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله المعصومين.
الحديث عن المكتبة القرآنية كعنوان، توقفت عنده للوهلة الأولى كثيراً، على الرغم من أنني دخلت في ميادين الدراسات والأبحاث القرآنية، وكنت أظن أنني خضت غماراً مستوفياً لشروط هذا النوع من الدراسات والعلوم. وإذ بي أقرأ عنواناً أعترف أنني وقفت عنده مذهولاً؛ إذ إن هناك طرحاً علمياً، منطقياً، ومعرفياً يستند إلى الدليل، والقرآن، والسياق التاريخي للتطور العلمي لعلوم القرآن، ويريد أن يطرح نظرية أو رؤية تتحدث عن "المكتبة القرآنية"؛ التي نظن للوهلة الأولى عند قراءة عنوانها أننا نتحدث عن مجموعة من الكتب التي نصنفها أو نجمعها ونضعها في مكان واحد.
ولكن، عندما قرأت الكتاب أكثر من مرة (المرة الأولى كانت قبل الحرب، ثم أعدت قراءته بعد الحرب)، وللحق والإنصاف، ازددت إعجاباً ويقيناً بلابدية هذا النوع من العلوم، إذا كنا نريد أن نطور أي علم من العلوم الإنسانية أو الإسلامية. وأعتقد أن الحديث عن المكتبة القرآنية هو حديث منطقي جداً إذا كان السياق سياقاً تطورياً؛ أي أننا كنا في سياق تصاعدي ونريد أن نصل إلى ميادين متقدمة ومتطورة جداً في الحديث عن الاستنباط والاجتهاد، وأن ننهل من هذا العلم، وعليه فمن الطبيعي جداً أن يصل الإنسان إلى فكرة المكتبة.
طبعاً، فكرة المكتبة المطروحة في هذا الكتاب أو هذا الجهد العلمي هي نتاج التطور التاريخي لهذا العلم، الذي بدأ مع النص الأول الذي كان في ذاكرة المسلمين الأوائل، ثم تطور إلى التدوين، ثم إلى علم القراءات، ثم إلى علم التفسير أو إلى علوم القرآن (مع اختلاف هل علم التفسير متقدم على علوم القرآن أم أن علم القرآن متقدم على التفسير). نعم، كان هذا السير التاريخي سيراً طبيعياً نتيجة الاهتمام بالقرآن وعلومه، ولكن لم يكن هناك عقل جمعي يريد أن يطرح هذا السؤال: كيف نستطيع أن نجمع كل هذا التراث القرآني ونضعه في صندوق، ننهل منه علوماً على نحو تكاملي وتوليدي (أي يولد المعرفة والعلم) عندما نريد ذلك؟ هذا التوليد الذي يؤدي حكماً إلى حاكمية هذا النوع من العلوم.
أعتقد أن فكرة المكتبة القرآنية لها هدفان أساسيان -بحسب ما قرأته وبحسب ما فهمته من هذا الكتاب:
الهدف الأول: أنه لا يمكن لأي علم من العلوم أن يتطور ما لم تكن له مكتبته الخاصة؛ فسر تطور أي علم يكمن هنا. نحن في منازلنا عندما نريد أن نجري بحثاً ما، أو نريد أن نتخصص في علم ما، من الطبيعي أن تكون لدينا مكتبتنا الخاصة. إذن، لا يمكن لأي علم أن يتطور ما لم تكن له مكتبة، بل مكتبة متماهية مع تطور هذا العلم ومواكبة له بالدرجة الأولى.
الهدف الثاني: هو ضمان حاكمية هذا النوع من العلوم في أي ميدان أو مجتمع. بمعنى آخر، عندما أريد أن أضع هدفاً عظيماً لي وهو "حاكمية القرآن في المجتمع" أو في أي أمة من الأمم -ونحن نعرف أن هذا هدف عظيم، بل هو الهدف الحقيقي للدين الإسلامي أن يصبح القرآن حاكماً على المستوى الإنساني والاجتماعي وفي كل ميادين حياتنا- فإنه لا يمكن أن نتحدث عن حاكمية القرآن ما لم نكن ننهل من هذا الكتاب على نحو صحيح، منهجي، ومنظومي. وإذا أردنا أن ننهل بهذه الشاكلة، فلا بد أن تكون لدينا مكتبتنا الخاصة بهذا الكتاب.
وهنا تأتي الفكرة الأساسية التي أعتقد - وربما سماحة الشيخ علي خازم يوضح لنا أكثر لأننا نحتاج أن نفهم منه، لأنني كنت أتوقع أن يتحدث سماحة الشيخ أولاً، ثم نعود لنرى ما إذا كان ما فهمناه مما قرأناه صحيحاً أم لا؛ لأنني -وأنا أعترف بذلك- هذه هي المرة الأولى التي أقرأ فيها عن فكرة "مكتبة قرآنية" ليس المراد منها التجميع، بل بناء صرح توليدي للمعرفة، هدفه تطوير هذه المعرفة القرآنية لتصبح حاكمة في المجتمع. فإنه على ما يبدو، لا نستطيع أن نصل إلى حاكمية القرآن الكريم في مجتمعاتنا ما لم تكن مكتبة هذا الكتاب الإلهي مبنية على أسس وقواعد علمية نابعة من الكتاب نفسه.
وما طُرح في هذا الكتاب وكان بالنسبة لي أيضاً ملفتاً وجديداً، هو أن هذه المكتبة ليست مستنبطة أو مستخرجة من قوانين وميادين خارجية، بل هي مكتبة نابعة من أصل الفهرسة القرآنية الذاتية النابعة من الوحي الإلهي. يعني أن المؤلف يريد أن يقول لنا: إننا في السلم التطوري لعلوم القرآن، وكل ما يتصل بميادينه، ينبغي أن نصل إلى مكان -إذا أردنا إحداث طفرة على مستوى علوم القرآن وتفسير الكتاب الكريم- لا بد فيه أن نمتلك هذا المعمل، وهذا المعمل اسمه "المكتبة".
وخصوصاً -وهنا الفارق المهم الذي وجدته في هذا الكتاب ولفت نظري لكونه منسجماً مع الحداثة والمعاصرة- أنني عندما أريد بناء هذا المعمل، فإنني أريد ربطه بالزمان والمكان اللذين أعيش فيهما؛ أي المعاصرة، وتحديداً عندما أتحدث عن مسألة التطور الرقمي أو المكتبة الرقمية. إذن، نحن لا نتحدث فقط عن نظرية تريد إنشاء كينونة خاصة وبناء خاص للمكتبة الإسلامية بحيث يصبح القرآن الكريم قسماً حقيقياً بذاته في المكتبات وليس تابعاً لأقسام أخرى (أي لا يكون تابعاً للدين ولا لأي نظرية أخرى أو لأي قسم من الأقسام)، بل الهدف الأساسي أن تصبح المكتبة القرآنية قسماً مستقلاً في المكتبة الإنسانية أو البشرية الجامعة، بحيث تتحول هذه المكتبة من مكان للتجميع إلى مكان للتوليد. وعندما يرتبط هذا التوليد أيضاً بعصر الرقمنة والتطور التقني، فإن الفارق هنا يصبح كبيراً جداً.
بمعنى آخر، يصبح النتاج هنا ذا جودة عالية؛ لأن القرآن الكريم في نهاية المطاف هو دستور الإسلام الأول، والمنهل والمصدر الأساس للعلوم والمعارف الإسلامية. وهذا المصدر إذا أراد مواكبة الزمان والمكان والتطور الرقمي، فلا بد أن يكون بناؤه المعرفي مبنياً على أسس وقواعد صحيحة للتخزين، والرقمنة، والتوليد؛ من أجل استنباط العلوم الصحيحة.
وهنا، في نهاية ما ذكره سماحة الشيخ عندما طرح فكرة المكتبة القرآنية وأعمدتها أو أبنيتها الأساسية، ذكر أن المكتبة القرآنية لا بد أن تعتمد على النص القرآني أولاً وبالذات، ثم نأتي إلى علم التفسير، ثم علوم القرآن، ثم علوم اللغة، ثم التاريخ. طبعاً، لم أستطع هنا معرفة ما إذا كان هذا الترتيب تدريجياً من الأعلى إلى الأسفل، أم هو مجرد تعداد؛ لأننا نعرف أننا إذا أردنا البدء بعلوم القرآن أو بتفاسيره أو بما يتعلق بميادينه، فإننا نتحدث ابتداءً عن الجانب اللغوي ربما، ثم ننتقل إلى الجانب التاريخي، ثم نذهب صعوداً إلى الجانب المرتبط بعلوم القرآن، إلى أن نصل إلى قواعد وأسس الاستنباط القرآني المتصل بالتفسير. وبالتالي، فإن هذا الترابط بين هذه الأقسام أعتقد أنه يحتاج إلى نوع من الدقة أكثر فيما يتعلق بالانتقال السلس والسليم بين هذه العناصر؛ لكي نُنتج في نهاية المطاف هذه المكتبة.
وأختم لأقول: إن فكرة المكتبة القرآنية هي فكرة أساسية، ضرورية، وجريئة جداً إذا أردنا إحداث ثورة معرفية على مستوى علوم القرآن وحاكميتها في مجتمعاتنا. وطبعاً، فإن طبيعة الفكرة التي طرحها سماحة الشيخ هي فكرة أولية؛ أي أنها تحتاج إلى الإنضاج، والتخمير، والمداولات، ونوع من المصاهرة الفكرية لكي تكتمل؛ لأن العنوان مهم جداً، وتحتاج إلى المزيد من التوضيح والتنقيح لكي نصل في نهاية المطاف إلى الرؤية الأساسية لكيفية صناعة هذه المكتبة الولادة للعلوم والمعارف الإلهية على مستوى القرآن.
والحمد لله رب العالمين.

أما الكلمة الثانية فكانت لعضو المجلس المركزي في تجمع العلماء المسلمين في لبنان الشيخ الدكتور عبد الله الجبري، وجاء فيها:
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الدراسات البحثية العلمية التي تناولت المكتبة القرآنية، كعنوان وكيان علميَّين مستقلَّين، قليلة جداً، وغير كاملة، لا من حيث مفهومها العلمي ولا بنيتها المعرفية، ولا كذلك من حيث تصنيفها الداخلي، وهذا كان من الأسباب البارزة التي دفعت شيخنا سماحةَ الشيخ علي خازم إلى تأليف الكتاب الذي بين أيدينا، لاسيما أن المكتبة القرآنية اليوم باتت تضم إضافة إلى المخطوطاتِ والنسخِ الورقية والمصاحفِ المطبوعة والكتبِ الدراسية، المصادرَ الرقمية، وقواعدَ البيانات المتخصصة.
فالحاجة إلى هذا المؤلَّف انطلقت من إشكال علمي وآلية بحثية حقيقيَّين يواجههما الباحثون والدارسون والمحققون وأهل الاختصاص، وكذلك المشرفون على المكتبات العلمية؛ حيث أُدرجت المكتبة القرآنية ضمن تصنيف عام، كتصنيف ديوي، وتصنيف مكتبة الكونغرس الشهيرَين، ما جعل مؤلفات المكتبة القرآنية بين كتب ثقافية ومعرفية بعيدة كل البُعد - بعناوينها وموضوعاتها وجزئياتها - عنها، ولا تلتقي مع مرتكزات العلوم القرآنية، ما يجعلنا نفقد خصوصية النص القرآني في أكثر الأحيان، على حساب نظام التصنيف.
بعد هذه المقدمة الموجزة، أنتقل للحديث عن مميزات هذا المولود المبارك على يد شيخنا حفظه الله:
1- لقد نظر المؤلِّف إلى المكتبة القرآنية ككيان مستقل يجب أن يتطور حسب ما تقتضيه الضرورات المتنوعة، وليس ككيان جامد وساكن ومتوقّف عند مرحلة تاريخية معيّنة.
2- حرص شيخنا حفظه الله تعالى على إثارة الأسئلة قبل تقديم الأجوبة، مما يحفّز القارئ والمهتمّ على المتابعة لإيجاد الجواب الشافي ضمن الأطر العملية والعلمية.
3- قام بمقاربة وصفية تحليلية نقدية، متجنباً الأحكام المسبقة، وحريصاً في الوقت نفسه على الاستفادة مما أنجزه الآخرون قبله، ضمن إطار الحفاظ على خصوصية العلوم القرآنية، موجِّهاً دعوة لإعادة النظر في المسلَّمات، بهدف الفهم والتقويم والتطوّر.
4- تبرز أهمية هذا الكتاب أيضاً في دعوة سماحة الشيخ علي خازم حفظه الله إلى تمكين الفهم المتجدد للنص عبر العصور، ما يعني ترك باب الاجتهاد مفتوحاً، ضمن الأصول والضوابط، لتجنُّب أي خلل، موصياً بتوفير أرضية مشتركة للحوار العلمي حول القرآن الكريم.
5- أسئلة عديدة طرحها المؤلِّف، كانت إشكاليةً دافعة للبحث والكتابة من قِبَل سماحته، لعل أبرزَها: بأيّ منطق نُخضع القرآنَ الكريم لنظام (ديوي أو الكونغرس) لم يصمَّم له؟ لاسيما أن القرآن الكريم الذي هو أصل اللغة والفقه والتاريخ والهوية... اختُزل في خانة "الدِّين"، مما أدى إلى خلط علمي ومعرفي وتاريخي... موضحاً أنه لا يريد منافسة ديوي، بل التكملة المعرفية من خلال هذا المؤلَّف.
6- نبّه شيخنا حفظه المولى إلى أن تكون الأدوات الرقمية خادمة لا حاكمة.
7- دعا المؤلِّف إلى إعادة ترتيب العلاقة بين النص، والشرح، والأداة، وألا تُقصيَ البنيةُ المنشودةُ الورقَ، ولا تقدِّس الرقم.
8- من الإشكالات التي طرحها شيخنا حول المكتبة المعاصرة، أن النظم المعتمَدة بات تصنع الوعي، لا تعكسه.
باختصار شديد، إن من أبرز أهداف هذا الكتاب يتمثل في السؤال الذي طرحه شيخنا حفظه الباري: كيف نعيد بناء المكتبة القرآنية بمنهج يُبقيها أمينة على تاريخها، وقادرة على مواكبة العصر في آن واحد؟ موضحاً أنه لا يهدف من مؤلَّفه إلى طرح وإحلال مقترَحه بديلاً عن أي نموذج آخر، بل يدعو إلى نقد علمي وعملي بنّاءَين في المكتبة القرآنية، وإلى الحفاظ على التراث العلمي، وتسهيل البحث المعاصر، مع توفير أدوات منهجية للباحثين، فالمكتبة القرآنية تتطلب توازناً بين البُنية التاريخية والمنهجية، والنص والمعنى، والورق والأرقام.
الديب
أما المداخلة الثالثة فكانت من مصر المحروسة للأستاذ محمد مجدي الديب وهو باحث مصري، مُقيّد بدرجة الدكتوراه في كوديكولوجيا وباليوجرافيا مخطوطات القرآن الكريم، وجاء فيها:
يعد كتاب "المكتبة القرآنية: المفهوم، البنية والتصنيف" لفضيلة الشيخ علي حسن خازم تجربة تأسيسية رائدة تسعى لإعادة تعريف "المكتبة القرآنية" ليس كمجرد مخزن للكتب أو رفوف متراصة في مكتبة دينية عامة، بل بوصفها "كياناً معرفياً مستقلاً" له منطقه الداخلي وبنيته الخاصة. ينطلق المؤلف من فرضية أن التراكم المعرفي عبر القرون حول النص القرآني قد شكّل بنية معرفية قائمة بذاتها، تتطلب أدوات ضبط وتصنيف تختلف عن الأنظمة العامة.
كما يُحدد الكتاب "فجوة بحثية" مركبة تتوزع على أربعة محاور: (المفهوم، البنية، التصنيف، والتطور الرقمي). فبينما اعتنت الدراسات السابقة بسرد المصادر أو تاريخ علوم القرآن، إلا أنها افتقرت إلى رؤية "معلوماتية" شاملة توازن بين الخصوصية التاريخية للنص القرآني ومتطلبات التنظيم العلمي الحديث. ثُم يتتبع الكتاب تطور المكتبة القرآنية من "الجرد الموسوعي" في التراث الإسلامي (مثل فهرست ابن النديم وكشف الظنون) وصولاً إلى العصر الرقمي. ويناقش المؤلف بشجاعة "نقاط التوتر" بين منطق التراث الإسلامي وأنظمة التصنيف الغربية الحديثة مثل "تصنيف ديوي العشري" و"تصنيف مكتبة الكونغرس". يرى المؤلف أن هذه الأنظمة العالمية قد تختزل المكتبة القرآنية أو تشوه بنيتها الداخلية عند إدراجها تحت عناوين عامة مثل "الدين" دون مراعاة لتفريعات علوم القرآن الدقيقة.
وأخيرًا؛ فلا يكتفي الكتاب بالجانب النظري، بل يقدم نموذجاً تطبيقياً مقترحاً لتصنيف مكتبة قرآنية متكاملة تجعل من "المصحف" النواة، ومن "التفسير" الإطار الأساسي، ومن "علوم القرآن" حلقة الوصل، مع دمج الدراسات الحديثة كخدمة معرفية معاصرة. كما يسلط الضوء على "المكتبة الرقمية" وأهمية قواعد البيانات المتخصصة في تسهيل البحث العلمي المعاصر. وختامًا؛ يَخلص الكتاب إلى أن تنظيم المكتبة القرآنية يتجاوز التقنيات المكتبية البسيطة ليمس "السلطة المعرفية" وكيفية تمثيل المعرفة. ويشدد على ضرورة انضباط المنهجية العلمية في التعامل مع النص القرآني، محذراً من تحويل المناهج المساعدة (كالتاريخية أو الإحصائية) إلى أطر تفسيرية مستقلة قد تؤدي إلى اختزال المعنى أو اضطرابه.

وفي الختام كانت كلمة مؤلف الكتاب سماحة الشيخ علي حسن خازم، وجاء فيها:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين وصحبه المنتجبين.
أصحابَ السماحةِ والفضيلة، الأساتذةَ الكرام، الحضورَ العزيز، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أودّ أن أبدأ بحكايةٍ صغيرة، هي - في الحقيقة - سبب وجود هذا الكتاب.
حين طُلب مني أن أدرّس مادة "المكتبة القرآنية"، شعرتُ بشيء من الاطمئنان؛ لأنني تصورت أن الأمر يتعلق بحقلٍ مستقرّ، له متنه، وحدوده، وتعريفه الواضح. وقلت في نفسي: سأراجع المتن، وأعيد ترتيبه تدريسيًا، لا أكثر.
لكن حين جلست أقرأ المتن المعتمد، بدأت أشعر بشيء من الحيرة. فقد وجدت فيه عن التفسير عند الشيعة عرضًا لكتب ومواد كثيرة، ومعلوماتٍ واسعة، لكنني لم أجد "المكتبة القرآنية" نفسها. لم أجد تعريفها، ولا بِنيَتها، ولا ما يميّزها عن غيرها. كأنني أمام موادّ كثيرة، دون الخريطة التي تربطها بمقصدها.
أتذكر أنني توقفت يومها، وقلت لنفسي:
كيف يمكن أن ندرّس شيئًا لم يُعرَّف بعد تعريفًا علميًا دقيقًا؟
وكيف يمكن أن نطلب من الطالب أن يفهم "المكتبة القرآنية"، إذا كنا نحن أنفسنا نتعامل معها بوصفها أمرًا بديهيًا، دون أن نفحص بِنيتها؟
في تلك اللحظة، تجاوز الأمر إعدادَ درس، وصار سؤالًا.
وسرعان ما تحوّل هذا السؤال إلى بحث، ثم إلى محاولة لإعادة النظر في مفهوم "المكتبة القرآنية" نفسه: هل هي مجرد تجميع كتب؟ أم أنها بِنية معرفية نشأت تاريخيًا حول النص القرآني تُبيّن كيف ترتبط المعلومات والعلوم بعضها ببعض داخل "المكتبة القرآنية" حيث المصحف أصل، وتتصل به علوم القراءات والرسم والضبط، ثم التفسير وعلوم القرآن، ثم الدراسات القرآنية الحديثة وهو ما عبّرتُ عنه في الكتاب باقتراح تعريف إجرائي للمكتبة القرآنية أنها: "مجموع النتاج العلمي المنظّم الذي اتخذ من القرآن الكريم نصًّا، أو موضوعًا، أو مرجعًا مركزيًا، وتَشكّل حوله عبر التاريخ ضمن علومٍ ومناهجَ متعددة، مع احتفاظه بوحدة المرجعية النصيّة".
ومن هنا بدأ هذا الكتاب.
هذا الكتاب لم ينشأ من رغبة في التأليف بقدر ما نشأ من حاجة إلى الفهم و أن يساعدنا على رؤية "المكتبة القرآنية" نفسها.
وخلال هذا المسار، تبيّن لي أن "المكتبة القرآنية" تقف عند نقطة تقاطع عدد من العلوم التي نادرًا ما اجتمعت في دراسة واحدة، فهي تقع في قلب:
- الدراسات القرآنية، من حيث اتصالها بالنص القرآني وتفسيره وعلومه.
- علوم المكتبات والمعلومات، من حيث تنظيم المعرفة وتصنيفها.
- تاريخ العلوم، من حيث تتبع نشأة الحقول المعرفية وتطورها.
- الإبستمولوجيا، من حيث دراسة طبيعة المعرفة ومصادرها وطرق تكوّنها وحدودها ومعايير بنائها.
و الدراسات الرقمية المعاصرة، من حيث انتقال المكتبة إلى الفضاء الإلكتروني.
وهذا التقاطع هو ما منح المشروع صعوبته، وهو نفسه ما منحَه ضرورته.
لقد حاول هذا الكتاب أن يجيب عن سؤال قد يبدو بسيطًا، لكنه في الحقيقة سؤال تأسيسي:
لا يتوقف عند ماذا تحتوي "المكتبة القرآنية" ؟
وينتقل إلى: كيف تشكّلت؟ ولماذا تشكّلت بهذه الطريقة؟ وكيف يؤثر ترتيبها في فهمنا للقرآن نفسه؟
وقد تبيّن لي خلال هذا العمل أن "المكتبة القرآنية" أداة في تشكيلها وليست مجرد انعكاس للمعرفة. وأن طريقة ترتيب الكتب هي فعل معرفي يحدد ما نراه أصلًا وما نراه فرعًا، وما نراه مركزًا وما نراه هامشًا، وليست عملًا تقنيًا محايدًا.
ومن هنا، فإن فهم "المكتبة القرآنية" هو - في جانب منه - فهمٌ لطريقة تشكّل الوعي بالقرآن عبر التاريخ.
أيها الإخوة والأخوات،
لقد جاء هذا الكتاب أيضًا امتدادًا لمسار بحثي سابق في دراسة المكتبة الحسينية، لكنه سعى هنا إلى بناء معالجة مستقلة، تتناسب مع خصوصية "المكتبة القرآنية" ، بوصفها الأصل الذي تفرعت عنه علوم كثيرة، والتقت عنده جهود أجيال متعاقبة من العلماء.
ولذلك، فإن ما حاولت تقديمه هو رسم خريطة "المكتبة القرآنية"، وفهم بنيتها، وبيان منطقها الداخلي، بحيث يصبح الباحث قادرًا على فهمها علاوة على استخدامها.
وفي هذا المقام، لا يسعني إلا أن أتقدم بخالص الشكر والتقدير لصاحبي السماحة الشيخ فادي ناصر والشيخ عبدالله جبري والأستاذ محمد مجدي الديب، على ما تفضلوا به من قراءة هذا الكتاب وتقديم ملاحظاتهما العلمية القيمة.
إن هذه القراءات وإن جاءت دعماً للمؤلف، لكنها تشكل استمراراً للحياة العلمية للكتاب نفسه، فالكتاب - في حقيقته - يعيش بقراءته لا بمجرد طباعته.
كما أتقدم بجزيل الشكر لتجمع العلماء المسلمين في لبنان، ولمتطوعي وأعضاء جمعية مركز صحف لحفظ التراث القرآني والكتابي على تعاونهم ودعمهم وشراكتهم، خصوصاً ابن أخي العزيز عريف حفلنا هذا حسين مصطفى خازم عافاه الله وأخيه محمد علي وسائر الجرحى والمرضى.
وإلى إدارة وطالبات معهد سيدة نساء العالمين في مجمع الإمام علي عليه السلام في الشيّاح سبب ظهور هذا الكتاب.
وأشكر حضوركم الكريم، لأن حضوركم هو ما يمنح هذا العمل معناه الحقيقي.
ولا ننسى إدارة قاعة الجنان على حسن تعاونها وتسهيلاتها.
وفي الختام، أودّ أن أقول إنّ هذا الكتاب بداية لسؤال نأمل أن يستمر:
كيف نفهم "المكتبة القرآنية" ؟
وكيف نحافظ على بنيتها المعرفية، ونحن ندخل عصرًا تتغير فيه طبيعة المكتبة نفسها؟
أسأل الله تعالى أن يكون هذا العمل نافعًا، وأن يجد طريقه إلى من يطوّره، ويصححه، ويبني عليه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

